البغدادي

386

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

والذي يدلّ على صحّة هذا أنا أجمعنا وإيّاكم على أنّه لم يجيء الفصل بغير اليمين في اختيار الكلام . وأما قراءة ابن عامر ، فلا يسوغ لكم الاحتجاج بها ، لأنّكم لا تقولون بموجبها ، لأنّ الإجماع واقع على امتناع الفصل بالمفعول في غير ضرورة الشعر ، والقرآن ليس فيه ضرورة . وإذا وقع الإجماع على امتناع الفصل بينهما في حالة الاختيار ، سقط الاحتجاج بها على حالة الاضطرار . والبصريون يذهبون إلى أن هذه القراءة وهم من القارئ ، إذ لو كانت صحيحة لكان من أفصح الكلام ، وفي وقوع الإجماع على خلافه دليل على أنّه وهم في القراءة « 1 » . وإنّما دعا ابن عامر إلى هذه القراءة ، أنّه رأى في مصاحف أهل الشام « شركائهم » مكتوبا بالياء ، ووجه إثبات الياء جرّ شركائهم على البدل من أولادهم وجعل الأولاد هم الشركاء ، لأنّ أولاد الناس شركاء آبائهم في أحوالهم وأموالهم . وهذا تخريج خطّ مصحف أهل الشام . فأمّا قراءة ابن عامر فلا وجه لها في القياس ، ومصاحف أهل الحجاز والعراق « شركاؤهم » بالواو ، فدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه ، واللّه أعلم . انتهى كلام ابن الأنباريّ . وفيه أمران : الأول : أنّ نسبة جواز الفصل في الشعر بنحو المفعول إلى الكوفيّين ، لم يعترف به الفرّاء وهو من أجلّ أئمة الكوفيّين ، قال في « تفسيره المعروف بمعاني القرآن » : في سورة الأنعام « 2 » ، عند قراءة ابن عامر ما نصه : وفي بعض مصاحف أهل الشام « شركائهم » ، فإن تكن مثبتة عن الأوّلين فينبغي أن يقرأ « زيّن » أي : بالبناء للمفعول ويكون الشركاءهم الأولاد ، لأنّهم منهم في النسب والميراث . فإن كانوا يقرؤون « زيّن » أي : بالبناء للفاعل ، فلست أعرف جهتها إلّا أن يكونوا آخذين بلغة قوم يقولون : أتيتها عشايا « 3 » ثم يقولون في تثنية الحمراء حمرايان . فهذا وجه أن يكونوا قالوا : زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركايهم . وإن شئت جعلت زيّن ، إذا فتحته ، فعلا لإبليس ثم تخفض الشركاء باتباع الأولاد . وليس قول من قال إنّما أرادوا مثل قول الشاعر : فزججتها متمكّنا * زجّ القلوص أبي مزاده

--> ( 1 ) في الإنصاف : " دليل على وهي القراءة " . ( 2 ) معاني الفراء 1 / 357 ؛ في الآية 137 من سورة الأنعام . ( 3 ) يريد بمعنى " عشاء " .